بقلم طارق مروان — طبيب تخدير
الجواب السريع: الغثيان والقيء بعد العملية شائعان، ويصيبان قرابة ثلث المرضى عمومًا، وقد ترتفع النسبة كثيرًا عند الأكثر عرضة. أسبابه تجتمع من طبيعتك أنت، ونوع التخدير، ومسكنات الأفيون بعد العملية، ونوع الجراحة. فريق التخدير يقدّر خطورتك مسبقًا ويستعمل أكثر من وسيلة وقائية معًا، ودورك أن تخبرهم بتاريخك وأن تبلغ عن الغثيان فور بدايته.
ما المقصود بالغثيان والقيء بعد العملية؟
يسميه الأطباء اختصارًا PONV. وهو شعورك بالرغبة في التقيؤ، أو التقيؤ الفعلي، أو محاولة التقيؤ دون أن يخرج شيء، خلال الساعات الأولى بعد العملية.
الخبر الجيد أنه في الغالب مؤقت. تذكر الكلية الملكية البريطانية لأطباء التخدير أنه يستمر عادة ساعة أو ساعتين ثم يتوقف مع العلاج، ونادرًا ما يمتد أكثر من يوم.
لكنه ليس أمرًا تافهًا. فهو من أكثر ما يزعج المرضى بعد العملية، وقد يؤخر الأكل والحركة والخروج من المستشفى. لذلك يتعامل معه فريق التخدير بجدية من قبل أن تدخل غرفة العمليات.
لماذا يحدث؟
في الدماغ مركز مسؤول عن الإحساس بالغثيان والتقيؤ. هذا المركز يستقبل إشارات من المعدة والأمعاء، ومن الأذن الداخلية المسؤولة عن التوازن، ومن الدم نفسه. وأثناء العملية وبعدها تصله إشارات كثيرة في وقت واحد، منها:
- أدوية التخدير: خاصة غازات التخدير المستنشقة وغاز أكسيد النيتروز.
- مسكنات الأفيون: مثل المورفين ومشتقاته، وهي من أقوى المحفزات للغثيان بعد العملية.
- الصيام الطويل: البقاء مدة طويلة دون أكل أو شرب قد يسبب الغثيان بحد ذاته.
- انخفاض ضغط الدم: قد يحدث مع التخدير، ومع النهوض السريع من السرير.
- الألم الشديد والقلق: كلاهما قد يثير الغثيان.
- الحركة: من يعود إلى بيته في اليوم نفسه قد يشعر بدوار الحركة في السيارة لأن جسمه ما زال حساسًا.
والتخدير النخاعي أو فوق الجافية قد يسبب الغثيان أيضًا، وغالبًا بسبب هبوط الضغط، لكنه في العموم أقل إثارة للغثيان من التخدير العام.
من الأكثر عرضة؟
عام 1999 نشر الطبيب كريستيان أبفل وزملاؤه طريقة بسيطة لتقدير الخطورة عند البالغين، وما زالت تُستعمل حتى اليوم. تعتمد على أربعة عوامل فقط:
- أن تكون أنثى.
- ألّا تكون مدخنًا.
- أن يكون لديك تاريخ سابق من الغثيان بعد عملية، أو من دوار الحركة في السيارة أو الطائرة أو البحر.
- الحاجة إلى مسكنات الأفيون بعد العملية.
كلما زاد عدد العوامل الموجودة عندك، زادت الاحتمالية. وهذه النسب التي وجدتها الدراسة عند مرضى لم يأخذوا أي وقاية:
| عدد العوامل عندك | نسبة حدوث الغثيان أو القيء تقريبًا |
|---|---|
| لا شيء | 10% |
| عامل واحد | 21% |
| عاملان | 39% |
| ثلاثة عوامل | 61% |
| أربعة عوامل | 79% |
هذه الأرقام تخص من لم يتلقَّ وقاية، أما اليوم فالوقاية جزء أساسي من التخدير، فتكون النسب الفعلية أقل.
وقد يستغرب بعضهم أن غير المدخن أكثر عرضة. هذه ملاحظة علمية فقط، وليست سببًا للتدخين أبدًا، فالتدخين يضر الرئتين ويبطئ التئام الجرح ويزيد مضاعفات العملية.
وتضيف الإرشادات الدولية عوامل أخرى، منها صغر السن عند البالغين. كما أن بعض العمليات ترتبط بغثيان أكثر، مثل عمليات البطن، وعمليات النساء، وعمليات الأنف والأذن والحنجرة كاستئصال اللوزتين، وتصحيح الحَوَل، والعمليات التي تطول أكثر من ساعتين أو ثلاث.
كيف يقلل فريق التخدير هذا الخطر؟
في عام 2020 نشرت لجنة دولية من الخبراء «الإرشادات التوافقية الرابعة» للتعامل مع الغثيان والقيء بعد العملية، وأيدتها أكثر من عشرين جمعية طبية. وفكرتها الأساسية بسيطة: لا تعتمد على وسيلة واحدة، بل اجمع عدة وسائل معًا. وتسير الخطة عادة على ثلاث خطوات:
1. تقدير خطورتك قبل العملية
يسألك طبيب التخدير عن العوامل السابقة، وعن عملياتك السابقة، ونوع الجراحة المخطط لها. وعلى هذا الأساس يحدد مستوى الوقاية الذي تحتاجه.
2. تقليل الأسباب من الأصل
توصي الإرشادات بخطوات تقلل الخطر قبل أي دواء، منها:
- اختيار التخدير الموضعي أو النخاعي متى كان مناسبًا لعمليتك.
- استخدام نوع من التخدير العام يعتمد على دواء وريدي بدلًا من الغازات المستنشقة عند من هم أكثر عرضة.
- تقليل مسكنات الأفيون قدر الإمكان، باستعمال مزيج من المسكنات الأخرى وحقن تخدير الأعصاب. وهذا ما يسمى «تسكين الألم متعدد الوسائل».
- إعطاء السوائل الكافية في الوريد، خاصة في عمليات اليوم الواحد.
3. أدوية وقائية مضادة للغثيان
هناك عدة مجموعات من الأدوية المضادة للغثيان، وكل مجموعة تعمل على مسار مختلف في الجسم. ولذلك فإن الجمع بين دواءين أو أكثر من مجموعات مختلفة أنجح من دواء واحد. وتوصي الإرشادات الحديثة بإعطاء وقاية متعددة الوسائل للبالغين الذين لديهم عامل خطورة واحد أو أكثر، ويزيد عدد الوسائل كلما زادت الخطورة.
وإن حدث الغثيان رغم الوقاية، يعطي الفريق عادة دواءً من مجموعة مختلفة عن الذي أخذته، لأن تكرار الدواء نفسه بعد وقت قصير لا يفيد كثيرًا. والفريق هو من يختار الأنسب لحالتك.
ماذا تخبر فريق التخدير قبل العملية؟
معلوماتك قد تغيّر الخطة كلها، فلا تتردد في ذكر:
- أي غثيان أو قيء شديد بعد عملية سابقة، حتى لو كانت قبل سنوات.
- دوار الحركة في السيارة أو الطائرة أو البحر.
- هل تدخن أم لا، بصراحة.
- القلق الشديد من العملية، فهناك وسائل تساعد عليه.
- الحمل أو احتماله، ومشكلات المعدة مثل الارتجاع.
- كل أدويتك الحالية، وأي حساسية من أدوية سابقة.
وإن كانت عمليتك عملية يوم واحد، فاسأل: من سيوصلني إلى البيت؟ وماذا أفعل إن شعرت بالغثيان في الطريق أو في المنزل؟
ماذا تفعل أنت بعد العملية؟
- أخبر الممرضة فورًا عند أول شعور بالغثيان. علاجه مبكرًا أسهل بكثير من علاجه بعد أن يشتد.
- لا تنهض بسرعة. اجلس أولًا لدقائق، ثم قف ببطء، لأن تغير الضغط المفاجئ قد يثير الغثيان.
- أبلغ عن الألم. الألم الشديد يسبب الغثيان، وقد يغيّر الفريق نوع المسكن.
- تنفّس ببطء وعمق عندما تبدأ الموجة.
- في طريق العودة إلى البيت اجلس في المقعد الأمامي إن أمكن، وانظر إلى الأمام، وابتعد عن الهاتف والقراءة.
أما العلاجات البديلة مثل الضغط على نقاط معينة في المعصم أو العطور، فقد تساعد بعض الناس، لكن الأدلة على فائدتها ما زالت غير كافية.
الأكل والشرب بعد العملية
كثير من المرضى يظنون أن تأخير الأكل يحمي من الغثيان، والصحيح أن الصيام الطويل نفسه قد يسببه. لذلك يُفضَّل أن تعود إلى الأكل والشرب في أقرب وقت يسمح به فريقك.
والتدرج هو القاعدة:
- رشفات صغيرة من الماء أولًا.
- ثم سوائل أخرى بكميات صغيرة ومتكررة.
- ثم وجبة خفيفة سهلة، مثل الخبز أو البسكويت أو الأرز، قبل الوجبات الدسمة أو الحارة.
إن عاد الغثيان، توقف قليلًا ثم ارجع إلى الرشفات. ولا تجبر نفسك على وجبة كاملة. وتذكّر أن تعليمات الأكل تختلف في بعض العمليات، خاصة عمليات المعدة والأمعاء، فاتبع ما يقوله جراحك.
متى تتواصل مع فريقك أو تذهب للطوارئ؟
اتصل بالهلال الأحمر 997 أو اذهب للطوارئ فورًا إذا:
- كان في القيء دم، أو مادة داكنة تشبه بقايا القهوة.
- شعرت بصعوبة في التنفس، أو دوخة شديدة أو إغماء.
وتواصل مع فريقك أو راجع المستشفى في أقرب وقت إذا:
- استمر القيء أكثر من 24 ساعة.
- لم تستطع الاحتفاظ بأي سوائل لمدة 12 ساعة أو أكثر.
- تقيأت 3 مرات أو أكثر في يوم واحد.
- لم تتبول لمدة 8 ساعات أو أكثر.
- شعرت بألم شديد في البطن، أو انتفاخ واضح فيه.
- ظهر صداع شديد أو تيبس في الرقبة.
هذه العلامات لم تعد مجرد أثر عادي للتخدير، وتحتاج تقييمًا من الطبيب.
أسئلة شائعة
هل الغثيان بعد العملية يعني أن شيئًا ما خطأ في التخدير؟
لا. هو أثر جانبي شائع، ويحدث حتى مع تخدير ممتاز ووقاية جيدة، لأن أسبابه كثيرة ومتداخلة. المهم أن يُعالج مبكرًا.
حصل لي غثيان شديد في عملية سابقة، فهل سيتكرر؟
احتمال تكراره أعلى، وهذا بالضبط ما يجعل إخبارك لطبيب التخدير مهمًا. معرفة هذا التاريخ تجعله يضيف وسائل وقاية أكثر ويختار أسلوب تخدير أقل إثارة للغثيان.
هل القيء يضر بجرح العملية؟
القيء المتكرر قد يزيد الألم والضغط على الجرح، وقد يسبب الجفاف ويؤخر تعافيك. لذلك لا تتحمله بصمت، بل اطلب العلاج.
هل أطفالي معرضون أيضًا؟
نعم، والإرشادات تشمل الأطفال بخطة خاصة بهم، خاصة في عمليات مثل اللوزتين وتصحيح الحول. أخبر طبيب التخدير إن كان طفلك يعاني دوار السيارة أو تقيأ بعد عملية سابقة.
اقرأ أيضًا في المدونة
- كم ساعة أصوم قبل العملية؟ دليل الصيام قبل التخدير
- التخدير العام: ماذا يحدث قبل العملية وأثناءها وبعدها؟
- 5 أسئلة تسألها لطبيب التخدير قبل أي عملية
المصادر
- Gan TJ, Belani KG, Bergese S, et al. Fourth Consensus Guidelines for the Management of Postoperative Nausea and Vomiting. Anesth Analg 2020;131(2):411-448
- Apfel CC, Läärä E, Koivuranta M, et al. A simplified risk score for predicting postoperative nausea and vomiting: conclusions from cross-validations between two centers. Anesthesiology 1999;91(3):693-700
- Royal College of Anaesthetists. Risks and side effects – feeling sick and being sick (patient information)
- Cleveland Clinic Consult QD. New Guidelines Provide Further Guidance for PONV Management
- MedlinePlus (U.S. National Library of Medicine). Nausea and vomiting – adults
تعليقات
إرسال تعليق